اسماعيل بن محمد القونوي
212
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
المستقبل بعد دخول الفريقين في المنزلتين فأشار إلى الجواب بأن الاستثناء يصح أن يكون من الابتداء والانتهاء فإنك إذا مكثت يوم الجمعة في الجامع إلا ساعة واحدة جاز أن يكون ذلك الزمان الواقع فيه عدم المكث في أوله إلى آخره وأورد عليه أن الاستثناء يقتضي إخراجا عن حكم الخلود وهو لا محالة بعد الدخول فكيف ينتقض عن حكم الخلود من مبدأ معين يكون بالإخراج عن حكم الدخول الذي يتضمنه الخلود فيها لا محالة ولا يخفى ضعفه إذ المعترض اعتبر الخلود بعد دخول أهل الجنة الجنة فحينئذ لا كلام في متانة الاعتراض والمجيب اعتبر حكم خلود أهل الجنة بعد دخول حكم أهل النار في النار ادعاء أن تعيين زمان خلود أهل الجنة من زمان دخول النار في النار ولا ريب في ضعفه إذ هذا ليس أولى من عكسه . قوله : ( وهؤلاء وإن شقوا بعصيانهم فقد سعدوا بإيمانهم لا يقال فعلى هذا لم يكن قوله : فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ [ هود : 105 ] تقسيما صحيحا ) فيه تنبيه على أن المراد بالشقاوة والسعادة الدنيويتان لكن لا يمنع كون المراد السعادة والشقاوة الأخرويتين لكن المتعارف المتداول كون المراد بالشقاوة الكفر وبالسعادة الإيمان كقوله عليه السّلام : « السعيد من كان سعيدا في بطن أمه » الحديث وقوله : « السعيد قد يشقى والشقي قد يسعد » والمراد بهما الكفر والإيمان فما المانع أن يقال إن المكلف ينقسم إلى قسمين شقي كافر وسعيد مؤمن مطيع ولم يتعرض لعصاة الموحدين وقد صرح به أبو حيان في قوله تعالى : فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ [ الإسراء : 71 ] الآية والاستثناء حينئذ يوجه بالوجوه الباقية بل الوجه الأخير هو النكتة العالية . قوله : ( لأن من شرطه أن تكون صفة كل قسم منتفية عن قسيمه لأن ذلك الشرط من حيث التقسيم لانفصال حقيقي أو مانع من الجمع ) علة للنفي وقوله لأن ذلك علة لقوله لا يقال . قوله : ( وههنا المراد أن أهل الموقف لا يخرجون عن القسمين ) أي التقسيم لمنع قوله : لأن ذلك الشرط علة لقوله لا يقال يعني ذلك الشرط الذي هو أن يكون صفة كل قسم منتفية عن قسيمه إنما هو في الانفصال الحقيقي كقوله هذا العدد إما زوج أو فرد أو في الانفصال المانع للجمع دون الخلو نحو هذا الشيء إما حجر أو شجر فإن بين الزوج والفرد انفصالا بحيث لا يجتمعان في عدد واحد ولا يرتفعان عنه وبين الحجر والشجر انفصال مانع من الجمع بينهما وليس بمانع عن خلوهما لجواز أن يكون شيء لا حجرا ولا شجرا مقابل حيوانا فالتقسيم الصحيح إنما يكون في هذين الانفصالين والتقسيم في الآية من باب الانفصال على وجه منع الخلو فصح الجمع بين عيني القسيمين بأن يكون القسمان كلاهما سعيدين أو شقيين نظرا إلى الاستثناء كما في قول القائل زيد إما أن يكون في البحر وإما أن لا يغرق فإنه يصح أن يكون زيد في البحر ولا يغرق لا تنافي بينهما والتنافي إنما هو في سلبهما إذ لا يجوز أن يكون في البر ويغرق للتنافي بين كون زيد في البر وغرقه فالتقسيم في الآية إنما هو بالنظر إلى منع الخلو فإنه يمتنع أن يوجد شخص ترتفع عنه الصفتان السعادة والشقاوة .